ابن ميثم البحراني

16

شرح نهج البلاغة

الثالث : الأمر بالمضيّ فيما نهجه لهم من السبيل الواضح العدل الَّذي هو واسطة بين طرفي الإفراط والتفريط ، والصراط المستقيم المدلول عليه بالأوامر الشرعيّة . وقد علمت أنّ الغرض من سلوك هذا السبيل وامتثال التكاليف الَّتي الزم الإنسان بها وعصبت به إنّما هو تطويع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة بحيث تصير مؤتمرة لها ومتصرّفة تحت حكمها العقليّ منقادة لها عن الانهماك في ميولها الطبيعيّة ولذّاتها الفانية . وحينئذ تعلم أنّ هذه الأوامر الثلاثة هي الَّتي عليها مدار الرياضة والسلتوك إلى اللَّه تعالى ، فالأمر الأوّل والثالث أمر بما هو معين على حذف الموانع عن الالتفات إلى اللَّه تعالى ، وعلى تطويع النفس الأمّارة ، والأمر الثاني أمر بتوجيه السير إلى اللَّه . وقد تبيّن فيما مرّ أنّ هذه الأمور الثلاثة هي الأغراض الَّتي يتوجّه نحوها الرياضة المستلزمة لكمال الاستعداد المستلزم للوصول التامّ . ولذلك قال عليه السّلام : فعليّ ضامن لفلحكم آجلا إن لم تمنحوه عاجلا . أي إذا قمتم بواجب ما أمرتم به من هذه الأوامر كان ذلك مستلزما لفوزكم في دار القرار بجنّات تجري من تحتها الأنهار الَّتي هي الغايات الحقيقية ولمثلها يعمل العاملون وفيها يتنافس المتنافسون إن لم يتمّ تأهّلكم للفوز في الدار العاجلة فمنحوه فيها ، وقد يتمّ الفوز بالسعادتين العاجليّة والآجليّة لمن وفت قوّته بالقيام بهما وكمل استحقاقه لذلك في علم اللَّه . ولمّا كان حصول السعادة والفوز عن لزوم الأوامر المذكورة أمرا واجبا واضح الوجوب في علمه عليه السّلام لا جرم كان ضامنا له . فإن قلت : فما وجه اتّصال هذه الأوامر بصدر هذا الفصل قلت : لمّا كان مقتضى صدر الفصل إلى قوله : ولا إيهان . هو الإعذار إلى السامعين في قتال مخالفي الحقّ ، وكان مفهوم ذلك هو الحثّ على جهادهم والتنفير عمّا هم عليه من الطريق الجائر كان تعقيب ذلك بذكر الطريق الواضح المأمور بسلوكه ولزوم حدود اللَّه فيه لهو اللايق الواجب . وباللَّه التوفيق . 24 - ومن خطبة له عليه السّلام وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن ، وهما عبيد اللَّه بن عباس وسعيد بن نمران لما غلب